محمد بن يزيد المبرد

88

الفاضل

ويروى أنه كان يقول : إذا لم يكن الملك حليما استفزّه الشئ اليسير الذي يندم عليه ، وإذا لم يكن شجاعا لم يخفه عدوّه ، وإذا كان شحيحا لم يكن له خاصة ولا مناصح ، وإذا لم يكن صدوقا لم يطمع في رأيه . وحدثني العتبىّ قال : قيل لمعاوية : ما النّبل ؟ قال : مؤاخاة الأكفاء ، ومداجاة الأعداء ، فقيل له : ما المروءة ؟ قال : الحلم عند الغضب ، والعفو عند القدرة . ويروى أنه لما ورد عليه خبر علىّ بن أبي طالب ، صلوات اللَّه عليه صعد المنبر فقال : الحمد للَّه الذي أدالنا من عدوّنا ، وردّ إلينا من زماننا ، فقام اليه رجل من أهل الشام ، فقال : ما ذاك من كرامتك على اللَّه يا معاوية ، فقال له عمرو بن العاص : اسكت يا جاهل ، فو اللَّه لأنت أنذل أهل الشام وأقطعهم عن الكلام ، فتمثّل معاوية : إني أرى الحلم محمودا مغبّته والجهل أفنى من الأقوام أقواما ونظر يوما إلى يزيد ابنه يضرب غلاما له ، فقال : يا يزيد ، أتضرب من لا يمتنع منك ! واللَّه لقد حالت القدرة بيني وبين أولى التّرات . ويروى من ناحية زبير قال : حدّثنى مبارك الطبري قال : سمعت أبا عبيد اللَّه « 1 » يقول : سمعت المنصور يقول للمهدىّ : يا أبا عبد اللَّه ، الخليفة لا يصلحه إلَّا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلَّا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلَّا العدل ، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا « 2 » من ظلم من هو دونه ، وأنشد : وأحلام « 3 » عاد لا يخاف جليسهم إذا نطق العوراء غرب لسان « 4 » إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان

--> « 1 » أبو عبيد اللَّه : هو معاوية بن عبيد اللَّه بن يسار الأشعرىّ مولاهم كاتب المهدىّ ووزيره ، اتصل به في أيام أبيه المنصور ، ثم اتضعت منزلته عند المهدىّ حتى توفى سنة 170 ، وكان من خيار الوزراء ] « 2 » في الأصل : « ممن هو دونه » . « 3 » أوّلهما في الثمار ، والمثل فيه 61 ، وفى البيان 2 : 139 ، والعسكري 106 ، 1 : 271 ظنوا أن أحلام عاد كأجسامها . وهما في البصرية ، وفيها : « وإن نطق العوراء » . « 4 » العوراء : الكلمة القبيحة تهوى في غير عقل ولا رشد . وغرب اللسان : حدّته ] .